"طرفا الصورة الفنية بين الواقع والمتخيل في الشعر الجاهلي "الناقة والثور الوحشي نموذجا

Read full text
Authors: Ghada Eshba
Cited by: 0

Abstract

يتناول البحث ثنائية الواقع والمتخيل في الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، من خلال نموذجين بارزين هما الناقة والثور الوحشي، بوصفهما معادلين رمزيين لتجربة الإنسان الجاهلي في صراعه مع الحياة والطبيعة والدهر. وينطلق من فكرة أساسية مؤداها أن الحياة الجاهلية بطابعها البدوي القائم على الترحال والقلق والصراع قد انعكست في بنية القصيدة، فجعلت منها فنًا دراميًا حافلًا بالتوتر والحركة. يقرر البحث أن الصراع هو الجوهر الذي تنتظم حوله عناصر القصيدة الجاهلية؛ فهو صراع مع الطبيعة القاسية، ومع الدهر المتقلب، ومع الفراق والشيخوخة والعدم. وتظهر هذه الأبعاد في مقدمات القصائد من خلال الوقوف على الأطلال، حيث يستعيد الشاعر تجربة الفقد، ويواجه سكون الخراب بوصفه صورة للعدم. غير أن هذه الحالة لا تمثل النهاية، بل تمهيدًا لانتقال نفسي وفني يتمثل في الرحلة وامتطاء الناقة، حيث يتحول الشاعر من حالة الاستسلام إلى حالة الفعل والحركة. فالناقة ليست مجرد وسيلة انتقال مادي، بل هي رمز للحياة المتجددة، وللقدرة على تجاوز الهزيمة. ومن هنا كثرت تشبيهاتها بحيوان الصحراء، كالثيران والظباء والنعام، في استطرادات طويلة أثارت تساؤل الدارسين. ويعرض البحث آراء متعددة في تفسير هذا الاستطراد؛ فمنهم من رآه حيلة فنية للانتقال بين الأغراض، ومنهم من عده مظهرًا لولع الشاعر بوصف الطبيعة، بينما يرى البحث أنه تعبير رمزي عن الصراع الوجودي، وتجسيد لمعاناة الإنسان في بيئته. ويبرز الثور الوحشي بصفة خاصة بوصفه معادلًا موضوعيًا للإنسان الجاهلي في صراعه مع الطبيعة والقدر. فالشعراء – مثل امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني والأعشى ولبيد بن ربيعة وأوس بن حجر وبشر بن أبي خازم – صوّروا الثور في ليله القارس، تصْرعه الرياح والأمطار، فيحفر لنفسه كناسًا يحتمي به، ويبيت مكابدًا البرد والجوع. وهذه اللوحات ليست وصفًا طبيعيًا خالصًا، بل إسقاط لتجربة الإنسان الذي يواجه قسوة البيئة ووحشة الصحراء. ويتجلى البعد الرمزي بصورة أوضح في مشاهد مطاردة الكلاب للثور، حيث تمثل الكلاب – بما فيها من شراسة وجوع وملاحقة مستمرة – عدوان الدهر وتقلب الأيام. أما الثور فيمثل الإنسان الذي يتراوح بين الصمود والمقاومة، أو الهرب والانكسار. ففي بعض النصوص يكرّ الثور على الكلاب شجاعًا مقدامًا، يطعنها بقرنيه حتى ينتصر، في صورة تعكس إرادة التحدي والغلبة. وفي نصوص أخرى يفرّ هاربًا، وقد ضاق به الخناق، في تجسيد للحظة الضعف الإنساني أمام قوى لا تُقاوم. ويخلص البحث إلى أن الصورة الفنية في الشعر الجاهلي تقوم على تداخل الواقع بالمتخيل؛ فالناقة والثور كائنات واقعية في حياة البدوي، لكنهما يرتقيان في النص إلى مستوى الرمز. ومن خلالهما تتبلور أزمة الصراع الكبرى من أجل البقاء، ويتحول الوصف الطبيعي إلى بناء درامي يعكس رؤية وجودية للحياة. وهكذا تغدو القصيدة الجاهلية فضاءً تتجسد فيه حركة الإنسان بين الخراب والنماء، بين السكون والحركة، وبين الهزيمة والانتصار، في صورة فنية مركبة تجمع بين الحسّية والرمزية، وتكشف عمق التجربة الشعورية لدى الشاعر الجاهلي.

Fields of Study & Subjects

Poetry Analysis and Criticism Archaeology and Historical Studies Classical Studies and Philology

Publication details

Journal / source
Zenodo (CERN European Organization for Nuclear Research)
Publication date
1 March 2026
Language
ARB